محمد بن أحمد الفاسي

375

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وذكر مغلطاى : إسلام جماعة من جلة الصحابة رضى اللّه عنهم . ثم قال : ودخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء . ثم إن اللّه أمر رسوله بأن يصدع بما جاء به ، وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة . فبينا سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه في نفر يصلون في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد يومئذ بلحى بعير ، فشجه فكان أول دم هريق في الإسلام . فلما نادى النبي صلى اللّه عليه وسلم قومه بالإسلام لم تبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها . قال العتيقي : وكان ذلك في سنة أربع ، فلما فعل أجمعوا على صلى اللّه عليه وسلم خلافه وعداوته إلا من عصم اللّه . وحدب عليه أبو طالب فخف الأمر وتنابذ القوم ، ونادى بعضهم بعضا ، وتآمرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم . ومنع اللّه رسوله بعمه أبى طالب ، وبني هاشم ، غير أبى لهب وبني المطلب . فرماه الوليد بن المغيرة : بالسحر ، وتبعه قومه على ذلك . فنزل فيه : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً الآيات [ المدثر : 1 ] . وفي النفر الذين تابعوه على قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [ الحجر : 91 ] . ثم إن قريشا اشتد عليهم الأمر ، فكذبوه وآذوه ، ورموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون ، وأغروا به سفهاؤهم ، حتى أخذ رجل منهم يوما بمجمع ردائه فقام أبو بكر دونه ، وهو يبكى ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول : ربى اللّه ؟ « 1 » . ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب عمه رضى اللّه عنه ، وكان أعز فتى في قريش ، وأشد شكيمة ، فعزّ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكف عنه قريش قليلا . قال العتيقي : وكان إسلامه رضى اللّه عنه سنة ست ، وسألوه إن كنت تطلب مالا جمعنا لك ما لا تكون به أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك . فقال لهم عليه السلام : ما بي ما تقولون ، ولكن اللّه بعثني رسولا ، وأنزل علىّ كتابه ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم ، فإن تقلبوا

--> ( 1 ) انظر : ( تاريخ الخميس 1 / 29 ، إمتاع الأسماع 1 / 43 ، الروض الأنف 1 / 84 ) .